الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
59
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
عنه ، فأرسل إليها أيوب ودعاها فقال : ما تريدين يا أمة اللّه ؟ فبكت وقالت : أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة ، فقال لها أيوب عليه السلام : فما كان منك ؟ فبكت ، وقالت : بعلي فقال : أتعرفينه إذا رأيتيه ؟ قالت : وهل يخفى علي ؟ فتبسّم وقال : أنا هو فعرفته بضحكه فاعتنقته . ثم قال : إنك أمرتني أن أذبح سخلة لإبليس ، وإني أطعت اللّه وعصيت الشيطان ودعوت اللّه تعالى فردّ علي ما ترين وذلك قوله تعالى : فَاسْتَجَبْنا لَهُ الدعاء ، فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ أي مرض وهزال ، وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ . روي أن امرأته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابنا . قال ابن عباس : أبدل بكل شيء ذهب منه ضعفا . وروي أن اللّه تعالى بعث إليه ملكا فقال : إن ربك يقرئك السلام بصبرك ، فأخرج إلى أندرك ، وهو الموضع الذي يداس فيه الطعام ، فخرج إليه ، فأرسل عليه جرادا من ذهب رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ( 84 ) أي آتيناه ما ذكر لرحمتنا أيوب ، وتذكرة لغيره من العابدين ، ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب . وَإِسْماعِيلَ ابن إبراهيم وَإِدْرِيسَ ، بن شيب بن آدم وَذَا الْكِفْلِ واسمه بشر ، أي أعطيناهم ثواب الصابرين ، كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 85 ) على أمر اللّه والمرازي وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا أي في النبوة إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 86 ) أي الكاملين في الصلاح . فصلاحهم معصوم من كدر الفساد ، فإسماعيل ، قد صبر عند ذبحه ، وعلى الإقامة في بلد لا زرع فيه ، ولا ضرع ، ولا بناء ، وصبر في بناء البيت فأخرج منه خاتم النبيين . وإدريس قد صبر على دراسة الكتب وسمي إدريس لكثرة دراسته ، وبعث إلى قومه داعيا لهم إلى اللّه تعالى ، فأبوا ، فأهلكهم اللّه ورفع إلى السماء الرابعة . وذو الكفل ، قد صبر على قيام الليل ، وصيام النهار ، وأذى الناس في الحكومة بينهم ، بأن لا يغضب . ومعنى الكفل : هو النصيب ، وإنما سمي ذا الكفل بذلك على سبيل التعظيم ، فيكون الكفل كفل الثواب ، لأنه كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه ، وضعف ثوابهم ، وقد كان في زمنه أنبياء عليهم السلام . وَذَا النُّونِ أي واذكر صاحب الحوت وهو يونس عليه السلام ، إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً أي غضبان على قومه لما برم من طول دعوته إياهم ، وشدة شكيمتهم ، وتمادي إصرارهم مهاجرا عنهم قبل أن يؤمر ، لأنهم لما لم يؤمنوا وعدهم بالعذاب ، فلما كشف العذاب عنهم بتوبتهم ، وهو لم يعرف الخالد خرج منهم غضبان من ذلك ، فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي ظن أنه لن نضيّق عليه ، أي فإنه ظن أنه مخيّر إن شاء أقام وإن شاء خرج ، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره . فأتى بحر الروم فوجد قوما هيئوا سفينة فركب معهم ، فلما تلجّجت السفينة تكفأت بهم ، وكادوا أن يغرقوا فقال الملاحون : هاهنا رجل عاص ، أو عبد آبق ، لأن السفينة لا تكون هكذا من غير ريح ، إلّا وفيها رجل عاص ، فلا بد من أن نقترع ليظهر ، فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في